مرغماً لا بطلاً”: قصة ترامب والحرب التي صنعتها الشركات

 

سمر نادر – خاص النشرة

لم تكن الحرب على ​إيران​ هي خيار الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​، بل كانت هي التي اختارته، وسحبته إليها بقوة الإقناع، عبر شبكة من التقارير العسكرية، والتحليلات الاقتصادية، وشركات الأسلحة، ومؤسسات الفكر، التي صوّرت له هذا الصراع كمغامرة سهلة، و”انتصار” مضمون، وفرصة لكتابة اسمه في صدر التاريخ كقائد “أنقذ ​الشرق الأوسط​” و”حطّم المشروع النووي الإيراني”.

وكلَّما كان ترامب يميل فيها إلى التراجع أو التفكير في مخرج من هذه المعركة، كانت تُسحب أمامه ورقة ملف إبستين، كما لو كانت قيداً خفياً يُستخدم لإجباره على المضي في الحرب، لا برغبة قائد، بل كأسير لمصالح وضغوط أكبر من حساباته، فيدخل الحرب “مُكرَهاً لا بطلاً”، يخشى أن يُساق إلى المحاكم لا إلى الميادين.

وفي الميدان اتضح أن إيران ليست ​فنزويلا​، بل قوة عنيدة قادرة على الصمود، وفرض واقع مضاد، وتحويل الحرب إلى معركة مصالح، واقتصاد، ورأي عام، تشترك فيها شركات الأسلحة ودوائر القرار، وتَمَسّ جيب المواطن الأميركي قبل أن تصل إلى طهران، فينبري ترامب ليبحث عن “مخرج” قبل أن تُفلس خزينة بلاده، وقبل أن تُطالبه المظاهرات الساحقة.

مؤسسات الفكر السياسية في ​واشنطن​ و​نيويورك، المموّلة والمدعومة من شركات الأسلحة العالمية، صمّمت لترامب صورة واحدة مفادها أن الحرب على إيران عملية “محكومة” و”قابلة للتحكم”، وتكلفتها مقبولة طالما تُترجم إلى عقود وصواريخ وطائرات جديدة. قُدِّمت له يومياً خرائط وتقديرات تُظهر أن العمليات في يومها الأول كلّفت مليارات الدولارات، ولكن لا كارثة مفتوحة، بل “حرب محدّدة” يُمكن إغلاقها بأزرار التفاوض لاحقاً.

شركات مثل لوكهيد مارتن، ونورثروب غرومان، و آر تي إكس، تُقدّم تقارير تقنية تُضخّم “القوة الهائلة” للأسلحة الأميركية، و”القدرة على التحطيم” للتهديد الإيراني، بينما تُحوّل مراكز بحث مثل المركز الأميركي الجديد للدراسات الأمنية CNAS، ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، إلى آلة صناعة خطاب: إيران “خطر وجودي”، و”الحرب ضرورية”، و”الردع” لا يُبنى إلا بالقوة. فأصبحت الحرب صفقة مبنية على مصالح، صاغتها وحاكتها أيدي شركات الأسلحة ومموّليها اليهود الأميركيين، وما على ترامب سوى التنفيذ.

في خلفية هذا المشهد، ظهر رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتانياهو ليس مجرد “حليف متحمّس”، بل المحرك السياسي الأشدّ حضوراً وتأثيراً في توجيه ترامب نحو ​حرب إيران، يُصوّرها باستمرار كـ”خطر وجودي” على إسرائيل، ويُحوّلها إلى مشروع استباقي لا يُقاس، في رأيه، بحساب التكلفة، بل بحساب البقاء.

تُظهر التقارير الإسرائيلية أن نتانياهو حوّل ترامب إلى قائد يُقدَّم في العناوين، لكن يُدار من خلف الكواليس، فاستثمر في علاقته الوثيقة معه وشغفه بالإنجازات الكبيرة، ودفعه تدريجياً إلى حافة الحرب.

تتصاعد اليوم في الولايات المتحدة موجة احتجاجية غير مسبوقة، تحت شعار “لا ملوك ولا حروب فرعونية”، يربط المتظاهرون فيها بين حرب إيران والارتفاع الجامح في الأسعار وسياسات ترامب التي يصفونها بالاستبدادية، ويعتبرون أن هذه الحرب ليست معركة دفاعية، بل مغامرة تُحرق ثروة أميركا قبل أن تصل إلى إيران، وتعيدهم إلى صورة الكارثة الاقتصادية. في الكونغرس، يتزايد الانقسام، وتعلو أصوات تُحذّر من أن استمرار التصعيد قد يهلك الاقتصاد.

تدور في البيت الأبيض نقاشات أكثر همساً: الحرب على إيران تُنظر إليها في أعين كثيرين من المقرّبين لترامب كفاتورة مالية وسياسية باهظة، وليست مجرد “معركة مهيبة” تُكتَب في الخطابات، بل كقنبلة موقوتة تهدّد مستقبله الداخلي قبل أن تُبتلع في سجلات التاريخ. تقارير تشير إلى أن ترامب نفسه أبلغ مساعديه برغبته في تجنب “حرب بلا نهاية”، وحثّهم على التفكير في مخرج تفاوضي أو خروج تدريجي، ما يكشف أن فكرة وقف أو تخفيف الحرب لم تعد شائعة إعلامية، بل جزءاً من جدل حاد داخل الدائرة البيضاء.

في هذا الجو المتفجّر، يبحث ترامب الآن عن “مخرج” من حرب إيران، لا عن انتصار مفتوح، ويُهمَس في محيطه بأنه لا يريد أن يُغرق أميركا في حرب “لا نهاية لها”، ويرغب في وقف المواجهة بعد فاصل زمني قصير، إما بصفقة مع طهران أو بإعلان “انتصار جزئي” ثم سحب التصعيد، إذ إنه فقد الاهتمام بالحرب وأصابه تعب سياسي، بينما تدور في مكتبه خطط هادئة لإنهائها قبل أن تُرهق الداخل الأميركي أكثر، وقبل أن تعود الأصوات إلى الشوارع.

مع إعلان أن أسبوعين من الحرب كلّفا الولايات المتحدة نحو 12 مليار دولار، وتقديرات تقارب 900 مليون إلى مليار دولار يومياً، صار صوت الذين يُحذّرون من “الإفلاس السياسي والمالي” للحرب أكثر حزماً ووضوحاً من كل خطاب الصقور، وترامب، الذي لم يُخطّط للحرب كما أراد، يجد نفسه يُجرّ إلى مسرحية يدفع فيها ثمن تذاكر حضور كل الأميركيين من خزينة الدولة.

ترامب يُدرك اليوم أن هذه الحرب قد تتحول من مشروع “انتصار تاريخي” إلى قنبلة انتخابية موقوتة، تتفجّر في وجهه حين تصل فاتورة المليارات اليومية، وارتفاع الأسعار، وسقوط الجنود، وحين تُسائله الشوارع، وليس الاستطلاعات فقط: “كم دفع الشعب من أجل حرب صُنعت لخدمة صورة قائدها، بينما لم ينتصر فيها حتى الآن سوى شركات الأسلحة وصنّاع الصواريخ”؟!.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى