أراء: إيران تضرب الخليج… فلماذا تُحمَّل مصر المسؤولية؟

نيويورك – عين اليمن الحر – Clear Voices. Global Impact
الهجمات الإيرانية على دول الخليج تستوجب الإدانة والتضامن، وطرح أسئلة جادة حول أمن المنطقة. لكن البعض اختار الطريق الأسهل: تحميل مصر المسؤولية.

بقلم : أحمد فتحي
عندما ضربت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية دول الخليج، كان يفترض أن تكون الأولوية واضحة: إدانة العدوان، حماية المدنيين، ومواجهة الخلل الأمني الذي كشف المنطقة بهذا الشكل. لكن قطاعًا صاخبًا من منصات التواصل وبعض الأصوات الإعلامية الخليجية اختار الطريق الأرخص: تحويل مصر إلى شماعة.
وبصفتي مصريًا أمريكيًا، و مراسلاً صحفيا في الأمم المتحدة يتابع هذه المنطقة منذ سنوات ويرى كيف يختلط فيها الضجيج بالتحليل، أجد في هذا الخطاب ما هو أكثر من مجرد قراءة خاطئة. أراه طرحًا غير نزيه، ومهينًا أيضًا. فالهجمات الإيرانية على دول الخليج، ولا سيما تلك التي استهدفت مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية، كانت أعمالًا إجرامية ومتهورة تستحق الإدانة الكاملة. ومصر أدانت هذه الهجمات بوضوح وعلى الملأ. الرئيس عبد الفتاح السيسي فعل ذلك. ووزير الخارجية بدر عبد العاطي فعل ذلك. لم يكن موقف القاهرة غامضًا ولا مترددًا ولا مختبئًا وراء دخان دبلوماسي.
ويجب أن أكون واضحًا أيضًا في نقطة أخرى. أنا لدي تحفظات واعتراضات على بعض سياسات النظام المصري. أنا لا أتعامل مع سلوك القاهرة من منطلق ولاء أعمى أو براءة سياسية. لكن رغم هذه التحفظات، فإنني أقف متضامنًا مع موقف مصر في هذه الأزمة، ومع اعتبارات الأمن القومي المصري في منطقة تنزلق نحو مزيد من الاضطراب. والإنصاف يقتضي القدرة على الجمع بين الأمرين: انتقاد الحكومة حين يستحق الأمر النقد، ورفض الهجوم غير النزيه على الموقف الاستراتيجي للدولة حين يكون هذا الهجوم قائمًا على ادعاءات واهية وانفعالات رخيصة. أنا أستطيع الدفاع عن موقف مصر من دون أن أتجاهل أن النظام نفسه، عبر سنوات من اختياراته، ضيّق هامش الحركة أمام الدولة أكثر مما كان ينبغي.
الوقائع لا تدعم هذه الحملة
الادعاء المتداول عبر الإنترنت، ومفاده أن مصر تخلّت عن الخليج بينما كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تتساقط، لا يصمد أمام الوقائع. فوزير الخارجية بدر عبد العاطي أعلن بوضوح أن دول الخليج لم تطلب من مصر تدخّلًا عسكريًا. وهذه نقطة أساسية. فإذا لم يكن هناك طلب رسمي، ولا دور عسكري متفق عليه، ولا ترتيبات دفاعية جرى تفعيلها، ولا مهمة عملياتية عُرضت على القاهرة، فما الذي يُفترض أصلًا أن مصر رفضته؟ ليس هناك التزام تعاقدي، ولا التزام تحالفي، ولا مهمة متفق عليها. ما يتبقى هو مجرد تذمر سياسي متنكر في صورة موقف مبدئي.
والوقائع تشير كذلك إلى أن مصر لم تختفِ حين تعرضت المنطقة للنار. الرئيس السيسي قام مؤخراً بزيارات واضحة إلى عواصم الدول الخليجية في الإمارات و قطر و السعودية و البحرين خلال الأزمة، بينما حملت الدبلوماسية المصرية رسالة تضامن ودعم. وكان الخط الرسمي المصري ثابتًا: إدانة الهجمات الإيرانية، دعم أمن الخليج، والدفع باتجاه خفض التصعيد عبر المسار الدبلوماسي.
منطقة مليئة بالقواعد العسكرية الأمريكية… ومع ذلك تُلام مصر
وهنا تبدأ الحملة في فقدان أي قدر من الجدية الفكرية. فالخليج ليس حيًا مكشوفًا تُرك وحده في الصحراء. الولايات المتحدة تملك وجودًا عسكريًا ممتدًا في كل دولة من دول مجلس التعاون بلا استثناء. البحرين تستضيف مقر الأسطول الخامس الأمريكي. قطر تضم قاعدة العديد، المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية وأكبر قاعدة أمريكية في المنطقة. الكويت تضم منشآت أمريكية رئيسية. الإمارات تستضيف قوات أمريكية في الظفرة. عُمان توفر ترتيبات وصول وتسهيلات تستخدمها القوات الأمريكية. والسعودية تستضيف أفرادًا وأصولًا أمريكية ومنظومات دفاع جوي. وإلى جانب هذا الانتشار العسكري، أنفقت دول الخليج على مدى سنوات مئات المليارات من الدولارات على صفقات تسليح أمريكية متقدمة، من أنظمة الدفاع الجوي إلى الطائرات المقاتلة، في إطار شراكة أمنية قائمة على أن واشنطن هي الضامن الرئيسي لأمن المنطقة. هذا ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو العمود الفقري للمنظومة الأمنية في الخليج.
لذلك، قبل أن يبدأ أحد بالصراخ: “أين كانت مصر؟” فربما يكون السؤال الأكثر جدية هو: ما جدوى هذه المظلة الأمنية الضخمة، وهذه الاستثمارات الهائلة في التسليح، إذا كان أول رد فعل عند أول اختبار حقيقي هو الانزلاق إلى توجيه اللوم نحو القاهرة؟
حين يسيطر الخوف… تصبح الشماعات جاهزة
الهجمات كانت حقيقية. والمناطق المدنية تعرضت للخطر. والبنية التحتية للطاقة تعرضت للاستهداف. والخوف كان مبررًا.
لكن الخوف كثيرًا ما يهبط بمستوى التفكير. هناك من يواجه اللحظة بالأسئلة الصعبة، وهناك من يبحث عن طرف يعلّق عليه المسؤولية. ومصر، بحكم حجمها وثقلها الرمزي وتاريخها في المنطقة، تصبح الهدف الأسهل في مثل هذه الأجواء.
هذا ليس نقدًا… بل تهرّب رخيص
دعونا نتوقف عن التظاهر بأننا أمام نقاش جاد حول التضامن العربي. لسنا كذلك. النقد الحقيقي يقوم على الحقائق والمعايير والاتساق. أما هذه الحملة، فتعتمد على الشعور بالاستحقاق، وعلى ذاكرة انتقائية. فهي تطلب من مصر أن تتصرف باعتبارها العمود الفقري الدائم للمنطقة، بينما تتجاهل ما قامت به القاهرة فعلًا، وتتجاهل الحقائق الاستراتيجية القائمة على الأرض.
وهنا تكمن الحقيقة غير المريحة: هذه الرواية لا تسيء فقط فهم الموقف، بل تخدم عمليًا الأطراف الخطأ. فهي تخدم إيران، التي تستفيد كلما انشغلت الدول العربية بتبادل الاتهامات بدلًا من مواجهة مصدر العدوان. كما تخدم شبكتها من المبررين والأبواق والوكلاء، من الإخوان المسلمين ومن يدور في فلكهم، إلى مبرري حماس وحزب الله، والحوثيين في اليمن كأداة ضغط إيرانية في البحر الأحمر، إلى القوميين العرب المعاد تدويرهم الذين ما زالوا يخلطون بين الشعارات والاستراتيجية. حين تصبح مصر هي القضية، تحصل إيران على هدية مجانية.
مصر تتحمل الكلفة… ولا تقف على الهامش
مصر لا تراقب هذه الأزمة من بعيد. هي تدفع ثمنها بالفعل.
فالتأثير الاقتصادي لا يقتصر على ارتفاع تكلفة الطاقة، والضغط على العملة، وخروج رؤوس الأموال، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، واتساع الضغوط التضخمية. بل يطال أحد أكثر شرايين مصر الاستراتيجية حساسية: إيرادات قناة السويس. فمنذ اندلاع أزمة البحر الأحمر، دفعت هجمات الحوثيين في اليمن، باعتبارهم ذراعًا إيرانية بالوكالة، عددًا كبيرًا من شركات الملاحة إلى الابتعاد عن مسار القناة والدوران حول إفريقيا، وهو ما وجّه ضربة مباشرة لأحد أهم مصادر النقد الأجنبي في مصر. ومع اتساع الحرب الإيرانية وتجدد المخاوف المرتبطة بباب المندب والبحر الأحمر، تصبح أي آمال في تعافي سريع لإيرادات القناة أكثر هشاشة.
بمعنى أوضح، مصر لا تدلي برأيها في هذه الحرب من مقاعد المتفرجين. هي تدفع الثمن في الوقود، والتجارة، وقلق المستثمرين، وتآكل عائدات قناة السويس بسبب فوضى بحرية تقودها جماعة مدعومة من إيران.
والبعد الإنساني لا يقل أهمية. فمصر دولة يقترب عدد سكانها من 112 مليون نسمة، يعيش نحو 8 ملايين من أبنائها في دول الخليج، إضافة إلى نحو 4 ملايين في الخارج. أي اضطراب في الخليج يمس مصر مباشرة.
لماذا يأخذ المصريون هذا الأمر بشكل شخصي
لهذا السبب، لا يرى كثير من المصريين في هذه الاتهامات نقدًا موضوعيًا، بل إهانة. فهي تفترض أن على مصر أن تتحمل التكلفة، وتؤدي الدور، ثم تقبل الاتهام في الوقت نفسه.
هذه الحملة تكشف عن أصحابها أكثر مما تكشف عن مصر
هذه الحملة تقول الكثير عن القلق والتوتر، أكثر مما تقول عن مصر. فمصر أدانت، وتحركت، وتدفع الثمن بالفعل.
في النهاية، عندما تسقط الصواريخ، يسأل الجادون: ما الذي فشل؟أما غير الجادين، فيسألون فقط: من نلوم؟
وفي هذه المرة، كانت مصر هي الإجابة الأسهل.




