الدولار يهمس… والعالم يهرول نحوه: نشرات الفائدة تصنع شهية الاستثمار في أمريكا

AP

 

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة

في الأيام الأخيرة تحوّلت نشرات الفائدة وبيانات البنوك المركزية إلى ما يشبه “نشرات طقس الاقتصاد العالمي”، يتابعها المستثمرون لحظة بلحظة كما لو كانوا يراقبون اقتراب عاصفة أو انقشاعها. في واشنطن، حسم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي اجتماعه الأخير لهذا العام بخفض جديد للفائدة بمقدار ٢٥ نقطة أساس، ليهبط النطاق المستهدف لسعر الفائدة إلى ما بين ٣,٥٠٪ و٣,٧٥٪، في ثالث خفض متتالٍ خلال ٢٠٢٥، مع تأكيده في البيان الرسمي أنه ما زال يسعى للتوازن بين هدفَيْه: التشغيل الكامل، وتثبيت التضخم عند ٢٪ على المدى الطويل، في ظل “ضبابية مرتفعة” تحيط بآفاق الاقتصاد.

لكن خفض الفائدة هنا لا يعني أن عصر المال الرخيص قد عاد؛ فالفيدرالي يذكّر في كل بيان بأن التضخم لم يَعُد بعد إلى الهدف بشكل مريح، وأن أي تسريع متهور في وتيرة الخفض قد يشعل الأسعار من جديد. لهذا تأتي التخفيضات متدرجة، ومصحوبة بخلافات علنية داخل اللجنة الفدرالية؛ فبعض الأعضاء، مثل ستيفن ميران، يرى أن ما يسميه “التضخم الوهمي” – خاصة في مكوّن الإيجارات – يجعل السياسة الحالية مشددة أكثر مما يلزم، ويدعو إلى تخفيضات أعمق، فيما يحذر آخرون من أن التضخم ما زال فوق المستوى المستهدف، ويفضلون التريث. هذه الانقسامات تعكس حساسية اللحظة: الاقتصاد الأميركي ما زال قوياً نسبياً، لكن علامات التباطؤ بدأت تلوح، والفيدرالي يحاول الهبوط بسلاسة من دورة تشديد استثنائية.

على الجانب الآخر من الأطلسي ومن حول العالم، ترسم قرارات بقية البنوك المركزية لوحة أكثر تشتتاً. تقرير لوكالة رويترز يلخّص الصورة بالقول إن “دورة التيسير النقدي العالمية أوشكت على الانتهاء”، إذ باتت التوقعات الآن تشير إلى أن عدداً قليلاً فقط من البنوك الكبرى – وعلى رأسها الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا وبنك النرويج – قد يقدم على مزيد من الخفض في ٢٠٢٦، بينما يُتوقع أن تعمد بنوك أخرى مثل بنك كندا والبنك المركزي الأسترالي إلى رفع الفائدة قليلاً بعد سلسلة من التخفيضات هذا العام. الصورة العامة إذن هي عالم يخرج تدريجياً من ذروة أسعار الفائدة، لكن من دون عودة إلى مستويات الصفر أو ما دونه كما كان الحال قبل سنوات؛ أي أننا أمام “فائدة أعلى لفترة أطول”، ولكن أقل تشدداً من ذروة ٢٠٢٣–٢٠٢٤.

وسط هذا المشهد المتباين، يواصل الاقتصاد الأميركي لعب دور “المحرّك الثقيل” للنشاط العالمي. تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن نمو الاقتصاد العالمي سيتراجع قليلاً من ٣,٣٪ في ٢٠٢٤ إلى نحو ٣,٢٪ في ٢٠٢٥ و٣,١٪ في ٢٠٢٦، مع متوسط نمو في الاقتصادات المتقدمة يدور حول ١,٥٪ فقط، بينما تحافظ الولايات المتحدة على معدل نمو يفوق معظم أقرانها، بما يقارب ٢–٢,٥٪ وفق تقديرات المؤسسات الدولية المختلفة. هذه الفجوة، وإن بدت صغيرة على الورق، تعني في الواقع أن أميركا تواصل تحقيق أداء أفضل من أوروبا واليابان، وأن سوق العمل فيها ما زال متماسكاً، وأن أرباح الشركات الكبرى، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة، تدعم ثقة المستثمرين.

هذه القوة النسبية لا تنعكس فقط في أرقام النمو، بل في شهية المستثمرين العالميين على الأصول المقوَّمة بالدولار. فمع أن العملة الأميركية شهدت خلال مطلع ٢٠٢٥ تراجعاً ملحوظاً استفاد منه المستثمرون في الأسواق الخارجية، فإن تقارير بنوك كبرى تشير إلى أن مؤشر الدولار (DXY) عاد ليقوى لاحقاً، متجاوزاً مستويات لم يسجلها منذ أواخر ٢٠٢٢، قبل أن يستقر في الأشهر الأخيرة عند مستوى أقرب إلى التوازن بعد موجة الصعود. هذا المسار المتقلب يذكّر بما يسميه بعض المحللين “ابتسامة الدولار”: العملة تميل إلى القوة في حالات الازدهار الأميركي القوي أو الأزمات العالمية، وتضعف نسبياً عندما يهدأ القلق وتضيق فجوة النمو بين أميركا وبقية العالم.

لكن ما يبقي الدولار في موقعه الخاص ليس مسار سعر الصرف اللحظي فحسب، بل عمق الأسواق الأميركية واتساعها. دراسات حديثة تذكّر بأن الدولار ما زال يحتفظ بدور العملة الاحتياطية الأولى في العالم، وأن ما يقرب من ٢٧٪ من الدين الأميركي القابل للتداول – أي نحو ٧,٦ تريليون دولار – تحمله أيادٍ أجنبية، وأن الأجانب يمتلكون أيضاً قرابة ٢٠٪ من سوق الأسهم الأميركية التي تتجاوز ٩٠ تريليون دولار. هذا الحجم الضخم، مع سيولة عالية وقواعد قانونية مستقرة نسبياً، يجعل الأصول الأميركية أشبه بـ”مرسى آمن” لرؤوس الأموال، حتى في الفترات التي يشكو فيها البعض من “تراجع بريق الدولار”.

في هذا السياق، تصبح نشرات الفائدة الأميركية بمثابة إشارات مرور لملايين القرارات الاستثمارية حول العالم. خفض الفائدة بثلاث خطوات متتالية هذا العام أرسل رسالة مزدوجة: من ناحية، أن الفيدرالي واثق بما يكفي في مسار التضخم ليبدأ التيسير التدريجي؛ ومن ناحية أخرى، أن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على النمو من دون حاجة إلى تخفيضات حادة أو عاجلة. هذه “الوسطية” في السياسة النقدية تروق لكثير من المستثمرين: فالفائدة لم تعد خانقة كما كانت، لكنها ما زالت عند مستويات تجذب المدخرات إلى السندات الأميركية، خاصة في عالم ما زالت فيه عوائد أوروبا واليابان وغيرها أقرب إلى الصفر أو أقل جاذبية من حيث العائد المعدَّل بالمخاطر.

النتيجة أن الكثير من التقارير الاستشارية الموجهة للمستثمرين الأفراد والمؤسسات تتحدث اليوم عن “تركيز مفرط” لرأس المال العالمي في الأصول الأميركية بعد أربعة عشر عاماً تقريباً من الأداء الأفضل للأسواق الأميركية مقارنة بمعظم نظرائها. بعض هذه التقارير يحذر من مخاطر الاعتماد الزائد على سوق واحد وعملة واحدة، ويدعو إلى تنويع أكبر باتجاه أسهم وسندات وأسواق ناشئة، لكن مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن “اللعبة الكبرى” ما زالت في وول ستريت، وأن أي استراتيجية استثمار عالمي يستحيل أن تستغني عن وزن معتبر في الولايات المتحدة.

في المقابل، لا تُخفي مؤسسات دولية مثل صندوق النقد ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قلقها من أن استمرار ارتفاع الفوائد الحقيقية لفترة طويلة قد يضغط على الاقتصادات الأضعف، ويرفع كلفة خدمة الديون السيادية والشركاتية في عدد من الدول النامية، ويزيد من احتمالات التقلبات في أسواق الصرف. لكن المفارقة أن هذه المخاطر نفسها تزيد من جاذبية الأصول الأميركية بالنسبة لكثير من المستثمرين الذين يفضّلون الاحتماء باقتصاد كبير، متنوع، وقادر على تمويل نفسه بعملته المحلية، بدل المغامرة في بيئات أكثر هشاشة. هكذا تتحول الفوضى أحياناً إلى عامل إضافي يقوي مركز الدولار، بدلاً من أن يضعفه.

ومع اقتراب العالم من نهاية عام اقتصادي صعب آخر، يبدو أن العنوان العريض لمرحلة ما بعد ذروة التضخم وذروة الفائدة هو مزيج من “الدولار الأقوى مما يُشاع” و“الاقتصاد الأميركي الأشد جذباً رغم كل الانتقادات”. نعم، هناك دعوات متزايدة إلى إصلاح النظام النقدي العالمي وتقليل الاعتماد المفرط على العملة الأميركية، وهناك محاولات من قوى صاعدة لبناء بدائل في التسويات التجارية والاحتياطيات، لكن في لحظة الحساب الفعلي، ما زال المستثمر الذي يبحث عن عمق وسيولة وحكم قانون واضح يعود، في معظم الحالات، إلى أسواق الولايات المتحدة وسنداتها وعملتها. نشرات الفائدة المقبلة قد تواصل خفض الأسعار على الهامش، وقد تتباين فيها آراء صانعي السياسة، لكن ما يبدو ثابتاً حتى الآن هو أن قوة الاقتصاد الأميركي ما زالت العامل الأهم في فتح شهية المستثمرين وجذبهم، وأن الدولار، رغم كل “الهمهمات” حول مستقبله، ما زال يُملي إيقاع اللعبة على معظم بقية العملات والاقتصادات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى