مجزرة كينسكوف: 47 قتيلاً وعشرات الرهائن… هايتي عصاباتها في سباق لصندوق الاقتراع

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
بعد أسابيع من تحديد موعد أول انتخابات عامة في هايتي منذ أكثر من عقد، لم تأتِ الرسالة الأخطر من حزب أو مرشح، بل من كينسكوف، البلدة الجبلية المطلة على بورت أو برنس. ففي هجوم 23 أغسطس 2026، قُتل ما لا يقل عن 47 شخصًا، بينهم خمسة أطفال، وأصيب 22 واختُطف أكثر من 50، وفق الحصيلة الأولية للأمم المتحدة. وقالت بعثة الأمم المتحدة إن 22 من الضحايا قُتلوا داخل مجمع كنسي احتموا به، فيما وثقت وكالة أسوشيتد برس جثامين وشهادات ناجين. ولا تزال الحصيلة قابلة للتغيير مع استمرار البحث عن المفقودين.
وفي تطور حمل بعض الأمل، أعلنت اليونيسف في 29 أغسطس إطلاق سراح 13 رهينة، بينهم ستة أطفال وسبع نساء، بعد تدخل المنظمة وقادة محليين، لكن مصير آخرين لا يزال مجهولًا. وفي المقابل، ظهر قائد عصابة في تسجيل متداول مهددًا بقتل الرهائن إذا تعرض عناصره للقتل. غير أن الفيديو يبقى تهديدًا منسوبًا إليه، ولا يقدم بمفرده دليلًا على مكان جميع المخطوفين أو هوية كل المشاركين في الهجوم. وهذه نقطة مهمة في بلد أصبحت فيه الحرب الإعلامية جزءًا من حرب العصابات.
وما يجعل كينسكوف أكثر من مجزرة جديدة هو مكانها وتوقيتها. فالمنطقة تشرف على العاصمة وتقع قرب بيتيون فيل، كما تتحكم في طرق تربط بورت أو برنس بجنوب البلاد. وتقول الباحثة ماريا فرناندا أروشا من مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED إن العنف المسجل في كينسكوف كان قد انخفض بنحو 66% بين يناير وأغسطس 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025. أي أن الهجوم جاء في منطقة بدأت الدولة تعتقد أنها تستعيدها، ليعيد السؤال القديم: هل تستطيع قوات الأمن الاحتفاظ بالأرض بعد استعادتها، أم أن العصابات قادرة على العودة بمجرد انتقال الشرطة إلى جبهة أخرى؟ والسؤال أصبح أكثر إحراجًا بعد أن أمر مدير الشرطة الوطنية فلاديمير بارايزون بفتح تحقيق شامل في كيفية وصول المسلحين إلى البلدة، بما في ذلك احتمال وجود إهمال أو تواطؤ. ولم يثبت التحقيق حتى الآن وجود متواطئين، لذلك لا يمكن تقديم الاحتمال كحقيقة. لكن مجرد طرح قيادة الشرطة له يكشف حجم أزمة الثقة. فهايتي تواجه جماعات مسلحة لا تكتفي بالقتل والخطف، بل تفرض الإتاوات وتسيطر على الطرق وتنافس الدولة على الأرض. ووثقت الأمم المتحدة 1,408 قتلى و656 جريحًا بين أبريل ويونيو 2026 فقط، فيما وصل عدد النازحين بسبب العنف إلى نحو 1.5 مليون شخص.
ثم يأتي موعد 13 ديسمبر 2026. فقد حدد المجلس الانتخابي المؤقت ذلك اليوم للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والتشريعية، على أن تجرى الجولة الثانية في 21 فبراير2027. وإذا نفذت الخطة، ستكون أول انتخابات رئاسية منذ انتخابات 2016. لكن المجلس وضع شرطًا جوهريًا: وجود “مناخ أمني مقبول”. وهنا يصبح هجوم كينسكوف اختبارًا سياسيًا بقدر ما هو أمني؛ فصندوق الاقتراع يحتاج إلى طريق مفتوح، ومدرسة آمنة لتصبح مركزًا انتخابيًا، وموظفين يستطيعون الوصول إليها، وناخب لا يخشى الخطف أو القتل في طريقه.
ولا يوجد حتى الآن دليل يثبت أن الهجوم نُفذ خصيصًا لإفشال الانتخابات. لكن الباحث “رومان لو كور” من المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود يرى أن العمليات قد تهدف إلى تشتيت قوات الأمن المحدودة على جبهات متعددة، أو إلى استعراض قدرة العصابات على تحديد مكان المواجهة وتوقيتها قبيل الاستحقاق السياسي. وهذا تفسير استراتيجي وليس دافعًا مثبتًا. والمفارقة أن القوة الدولية المدعومة من الأمم المتحدة يفترض أن تصل إلى نحو 5,500 عنصر، بينما تشير تقديرات ACLED إلى أن المنتشرين فعليًا يقاربون الألف فقط.
أما الأمم المتحدة، فحذرت أمام مجلس الأمن من أن العملية الأمنية وحدها لن تعيد الدولة. وطالبت بالإفراج الفوري عن المخطوفين ومحاسبة منفذي الجرائم، وكذلك الشبكات التي تمول العصابات وتسلحها وتمكنها من العمل. فالشرطة تستطيع استعادة شارع، لكن الاحتفاظ به يحتاج أيضًا إلى مدارس ومستشفيات ووظائف وإدارة محلية وقضاء. والفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغًا طويلًا؛ إذا لم تملأه المؤسسات، يملؤه السلاح.
ولهذا فإن كينسكوف ليست فقط قصة 47 قتيلاً وعشرات المخطوفين. إنها اختبار لدولة لم تعرف رئيسًا منتخبًا منذ اغتيال جوفينيل مويس في يوليو 2021، ولم تجر انتخابات وطنية منذ سنوات، بينما توسعت العصابات خلال الفراغ السياسي والأمني.
والسؤال الذي تركته ليلة 23 أغسطس لم يعد فقط: من نفذ المجزرة؟ بل: من سيصل أولًا إلى 13 ديسمبر ؛ الدولة أم العصابات؟
فإذا استطاعت هايتي حماية الناخب واستعادة المناطق التي تنتزعها قوات الأمن، قد تصبح الانتخابات بداية استعادة الشرعية. أما إذا أصبحت الجماعات المسلحة هي التي تحدد أي طريق يفتح، وأي حي يغلق، ومن يستطيع الوصول إلى صندوق الاقتراع، فلن يكون الخطر مجرد تأجيل الانتخابات.
بل أن تتحول السيطرة على الأرض إلى نوع آخر من التصويت… تصويت لا تحسمه أوراق الناخبين، وإنما موازين السلاح.




