أزمة ليبيا: انقسام سياسي بطعم العطش والسلاح… اتّحاد الأزمات قبل توحد الدولة

نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم يبدأ التحذير الأخير بشأن ليبيا من دبابة تتحرك نحو طرابلس، ولا من اشتباك جديد بين تشكيلين مسلحين، بل من المياه. وقبيل إحاطة مجلس الأمن بشأن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، خرج ممثلو مجموعة ” التعهدات المشتركة بشأن المناخ والسلام والأمن” ومن بينهم كولومبيا والدنمارك وفرنسا واليونان ولاتفيا وليبيريا وبنما والمملكة المتحدة، برسالة تبدو بيئية في ظاهرها، لكنها سياسية وأمنية في جوهرها: الانقسام الذي ينهك ليبيا منذ أكثر من عقد أصبح يلتقي اليوم مع ندرة المياه وارتفاع الحرارة وتدهور البنية التحتية والنزوح، بما قد يحول الموارد نفسها إلى سبب إضافي للصراع. ودعت المجموعة إلى ربط التخطيط المناخي بالأمن، وتسريع تنفيذ استراتيجية الأمن المائي الليبية 2026-2050، وإدارة المياه المشتركة مع دول الجوار، محذرة من أن الجفاف والفقر وحركة السكان وشبكات التهريب قد تصبح بيئة تستفيد منها الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية.
لكن المياه هنا ليست سوى أحدث طبقات أزمة أقدم بكثير. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، لم تنجح ليبيا في بناء عقد سياسي دائم يحتكر فيه جهاز دولة واحد السلاح والمال والقرار. وفي 2014 تعمق الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، ثم جاء الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات عام 2015، وحرب طرابلس بين 2019 و2020، ثم اتفاق وقف إطلاق النار في 23 أكتوبر 2020، وصولًا إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في 2021. وكان يفترض أن تقود المرحلة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية في 24 ديسمبر 2021، لكنها لم تجر، فتحول الانتقال المؤقت إلى واقع شبه دائم. واليوم تتمركز حكومة الوحدة في طرابلس، بينما يستمر في الشرق معسكر سياسي وعسكري مختلف يرتبط بمجلس النواب وقوات خليفة حفتر، فيما تكرر الأمم المتحدة أن تأجيل الانتخابات والانقسام في السلطة التنفيذية ينعكسان مباشرة على الأمن والاقتصاد.
وكأن التاريخ الليبي يقول إن السياسة عندما تعجز عن حسم خلافاتها بالصندوق، يعود السلاح ليعرض خدماته. ففي أبريل 2025 حذرت الممثلة الخاصة للأمين العام ورئيسة بعثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، مجلس الأمن من أن الحشد العسكري والتنافس بين الجماعات المسلحة على الأرض والموارد يعيدان خطر انفجار العنف في العاصمة. وربطت الأزمة السياسية بالمنافسة على الثروة والنفوذ، محذرة من أن الإنفاق الكبير في غياب موازنة وطنية موحدة قد يقود إلى أزمة اقتصادية رغم ما تمتلكه ليبيا من موارد. وفي الانتخابات البلدية حينها سجل أكثر من 570 ألف ناخب، كانت النساء منهم نحو 31%، وهي إشارة إلى أن المشكلة ليست غياب رغبة الليبيين في التصويت بقدر ما هي عجز النخب عن تحويل الإرادة المحلية إلى انتخابات وطنية تحسم سؤال الشرعية.
والأحداث الأخيرة تعيد هذا التحذير إلى الواجهة. ففي 4 أغسطس 2026 اندلعت اشتباكات مسلحة في الزاوية وصرمان غرب طرابلس، وأفادت الشرطة الليبية بوقوع عملية فرار جماعي لسجناء من سجن صرمان أثناء القتال. ونقلت رويترز عن مسؤول محلي في الزاوية قوله إن الاشتباكات أوقعت ثلاثة مدنيين قتلى وعددًا من الجرحى، بينما لم تعلن السلطات عدد الفارين. كما أظهرت تقارير ميدانية استخدام أسلحة متوسطة وثقيلة واقتراب القتال من منشآت حيوية، من بينها منطقة مصفاة الزاوية، مع اضطراب الحركة على الطريق الساحلي، أحد أهم شرايين غرب البلاد. وهنا يصبح الاشتباك المحلي أخطر من حصيلة ضحاياه، لأن الجماعات المسلحة لا تتحرك داخل فراغ، بل داخل دولة ما تزال مؤسساتها الأمنية موزعة بين مراكز قوة متنافسة.
وقبل ذلك بأيام ظهرت صورة أخرى للأزمة لا تقل دلالة. فقد أدت موجة حر وانقطاعات كهربائية طويلة إلى احتجاجات في مناطق عدة، ووصل محتجون في 28 يوليو/تموز إلى مجمع مليتة للنفط والغاز غرب طرابلس. ثم أعلنت حكومة الدبيبة استعادة السيطرة على المنشأة واستئناف إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء. وأهمية مليتة لا تتعلق بالليبيين وحدهم، فالمنشأة مرتبطة بخط “غرين ستريم” الذي ينقل الغاز إلى إيطاليا، وتصل طاقته وفق البيانات المتداولة إلى نحو 8 مليارات متر مكعب سنويًا للتصدير، إضافة إلى قرابة 5 مليارات متر مكعب للاستهلاك المحلي ومحطات الكهرباء. وبذلك يستطيع انقطاع كهرباء يبدأ كغضب اجتماعي في مدينة ليبية أن يمتد أثره، عبر أنبوب في قاع المتوسط، إلى حسابات أمن الطاقة في أوروبا.
ومن هنا يمكن فهم لماذا وضعت الدول التي تحدثت قبيل اجتماع مجلس الأمن الماء والمناخ في قلب النقاش الأمني. فليبيا من أكثر بلدان العالم جفافًا، والزراعة تشغل أقل من 2% من الأراضي رغم استهلاكها الحصة الأكبر من الموارد المائية، بينما يعتمد البلد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية الأحفورية وعلى منظومة النهر الصناعي العظيم التي تعاني تقادم البنية التحتية. وقد كشفت كارثة درنة في سبتمبر 2023 الثمن الممكن لهذا الخليط: عندما التقى الطقس المتطرف بسدود متدهورة وانقسام مؤسساتي، تحولت الأمطار إلى كارثة بشرية. ولهذا تصر الأمم المتحدة على أن المناخ في ليبيا ليس ملفًا بيئيًا منفصلًا، بل مضاعفًا للمخاطر يتفاعل مع ضعف الحكم والخدمات والنزوح والانقسام السياسي.
وتكشف الأرقام أن المسألة ليست تنبؤًا بعيد المدى. فقد أوردت الأمم المتحدة أن مشاريع المياه المدعومة منها أتاحت خلال 2025 لنحو 642 ألفاً و ستمائة شخص الوصول إلى أنظمة مياه أكثر موثوقية وقدرة على مواجهة تغير المناخ، كما جرى تشغيل 40 منظومة للضخ والمعالجة بالطاقة الشمسية، وتدريب أكثر من 100 فني محلي. وفي البيضاء وطرابلس ومصراتة وغات وسبها تلقى 180 عنصرًا من هيئة السلامة الوطنية تدريبًا على الإنقاذ والاستجابة للفيضانات. وفي أبريل 2026 أطلقت ليبيا مسار استراتيجية الأمن المائي 2026-2050، ثم تقدمت في يوليو في بناء إطارها المناخي الوطني المرتبط باتفاق باريس. وهي أرقام تبدو تنموية، لكنها في دولة منقسمة تصبح أيضًا أدوات لمنع النزاع؛ فالمياه التي تصل إلى قرية قد تكون أحيانًا أكثر قدرة على تثبيت الاستقرار من نقطة تفتيش جديدة.
وهذا تحديدًا ما جعل البيان الذي سبق إحاطة مجلس الأمن يركز على حوض الحجر الرملي النوبي، أحد أكبر خزانات المياه الجوفية الأحفورية المشتركة في العالم، وعلى ضرورة إدارة الموارد بالتعاون مع دول الجوار وإشراك المجتمعات المحلية والنساء والشباب في القرارات المتعلقة بالمياه. فالجنوب الليبي ليس مجرد صحراء بعيدة عن طرابلس وبنغازي؛ بل مساحة تلتقي فيها الحدود مع تشاد والسودان والنيجر ومصر، وتتحرك خلالها التجارة والهجرة والرعي وشبكات التهريب والجماعات المسلحة. وإذا التقى نقص المياه بانعدام الوظائف وضعف الدولة وحركة السلاح، فإن النزاع على بئر أو طريق أو مورد اقتصادي يمكن أن يتحول من مشكلة محلية إلى أزمة أمنية عابرة للحدود.
أما الخارج، فلا يستطيع التعامل مع ليبيا كجزيرة. فتركيا ما زالت لاعبًا رئيسيًا في الغرب الليبي؛ وفي 5 أغسطس 2026 التقى رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن في أنقرة مسؤولين كبارًا من حكومة الوحدة، بينهم القائم بأعمال وزير الدفاع عبد السلام الزوبي ومستشار الأمن القومي إبراهيم الدبيبة ووزير الداخلية عماد الطرابلسي، وأكد دعم أنقرة لوحدة ليبيا وتقريب مؤسسات الشرق والغرب. وفي المقابل، ترتبط دول الجوار ومصر خصوصًا بأمن الشرق والحدود، بينما تنظر إيطاليا وأوروبا إلى ليبيا من بوابات الغاز والهجرة والمتوسط. واليونان بدورها تجمعها بطرابلس ملفات الهجرة وترسيم المناطق البحرية، فيما يبقى اتفاق الحدود البحرية الليبي التركي لعام 2019 موضع خلاف مع أثينا. ولذلك فإن كل أزمة ليبية داخلية تحمل سريعًا طبقة خارجية من المصالح الأمنية والاقتصادية.
ولهذا تبدو المفارقة الليبية شديدة القسوة: دولة تمتلك النفط والغاز ومساحة جغرافية هائلة وعدد سكان محدود نسبيًا، لكنها ما زالت تبحث بعد خمسة عشر عامًا من الثورة عن حكومة واحدة وميزانية واحدة ومؤسسة عسكرية واحدة وقاعدة دستورية واحدة تقود إلى انتخابات واحدة يقبل الجميع بنتيجتها. وفي أبريل 2026 جدد مجلس الأمن نظام العقوبات المتعلق بليبيا، ومدد التدابير الخاصة بمنع التصدير غير المشروع للنفط حتى 1 أغسطس 2027 ومهمة فريق الخبراء حتى 15 أغسطس 2027، في إشارة إلى أن المجتمع الدولي نفسه لا يزال يتعامل مع مصادر الثروة والسلاح بوصفها جزءًا من معادلة عدم الاستقرار.
وهكذا يصبح المؤتمر الصحفي الذي سبق جلسة مجلس الأمن أكثر من تحذير من ارتفاع الحرارة أو انخفاض منسوب المياه. الرسالة الأعمق هي أن الدولة المنقسمة تصبح أكثر هشاشة أمام كل أزمة أخرى: المطر يتحول إلى كارثة كما حدث في درنة، والجفاف يمكن أن يتحول إلى نزاع على الموارد، وانقطاع الكهرباء إلى احتجاج على منشأة غاز، واشتباك مسلح قرب سجن إلى فرار جماعي، والتنافس على النفط إلى أزمة سياسية، بينما يؤدي تأجيل الانتخابات إلى إعادة تدوير السؤال نفسه: من يملك الشرعية؟
وربما لهذا لم يعد السؤال في ليبيا فقط: متى تجرى الانتخابات؟ بل: هل تستطيع ليبيا توحيد الدولة قبل أن تتحد ضدها أزماتها؟
فحين تجتمع في بلد واحد سلطات متنافسة، وجماعات مسلحة، وثروة نفطية ضخمة، ومياه تتناقص، وبنية تحتية تتقادم، ومناخ يصبح أكثر قسوة، ومصالح دولية تتقاطع فوق أرضه، فإن الحرب الجديدة لا تحتاج بالضرورة إلى قرار سياسي معلن.
قد يكفي حادث أمني، أو أزمة مياه، أو انقطاع كهرباء، أو صراع على مورد… كي يعيد بلد لم يخرج تمامًا من حربه السابقة إلى بدايتها من جديد.




