اليمن: تصعيد شرعي يقابله حوثي يعمّق جراح منطقة الشرق الأوسط ونذر حرب كبرى

أنقاض على رصيف ميناء المخا في اليوم التالي لهجوم الحوثيين (الفرنسية)
نيويورك – زينة بلقاسم – ألأمم المتحدة
لم يعد السؤال في اليمن، حتى أيّامٍ قريبة 2026، ما إذا كانت هدنة 2022 قد فقدت مضمونها، بل ما إذا كانت البلاد قد دخلت بالفعل الممر المؤدي إلى حرب واسعة جديدة. فخلال أيام قليلة انتقلت المواجهة من ضربات متفرقة إلى تصعيد متبادل: هجمات حوثية بالصواريخ والمسيّرات على مأرب والمخا ومواقع حكومية، قابلتها عمليات عسكرية مكثفة للقوات التابعة للحكومة المعترف بها دوليًا على جبهات تمتد من تعز ومأرب إلى الحديدة والضالع وشبوة. وبين الطرفين يقف البحر الأحمر وباب المندب، بما يحمله ذلك من احتمال انتقال الصراع اليمني مرة أخرى من حرب داخلية إلى أزمة إقليمية تمس التجارة والطاقة والأمن البحري. وحسب إعلام الامم المتحدة، لم يكن تحذير المنظمة الأممية العالمية نظريًا؛ ففي ال 13 أغسطس قال مبعوثها هانس غروندبرغ أمام مجلس الأمن إن اليمن يواجه خطرًا أكثر جدية للعودة إلى صراع واسع النطاق من أي وقت منذ هدنة 2022.
وإذا كان الحوثيون قد رفعوا مستوى الضغط، فإن الطرف الحكومي لم يعد يكتفي هذه المرة بموقع المتلقي. ففي 16 أغسطس أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع اليمنية العقيد ماجد عبد الله النزلي أن القوات الحكومية نفذت 181 عملية عسكرية خلال 24 ساعة باستخدام المسيّرات والمدفعية وراجمات الصواريخ ضد مواقع ومصادر نيران حوثية في تعز ومأرب وشبوة ولحج والضالع والحديدة وأبين. وقالت القوات إن العمليات أوقعت عشرات القتلى والجرحى ودمرت آليات ومخازن أسلحة، وهي أرقام لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة. وفي تعز تحديدًا، تحدثت وسائل إعلام عن مقتل عناصر وقيادات ميدانية حوثية في ضربات حكومية، فيما تصاعدت داخل المحافظة دعوات سياسية إلى مجلس القيادة الرئاسي لعدم الاكتفاء بالدفاع وفتح جبهات جديدة. وحسب ما ورد عن مركز سوث24، هذا تحول مهم؛ لأن الخطر لا يأتي من الهجوم الحوثي وحده، بل من دخول الطرفين مجددًا في منطق الفعل ورد الفعل الذي ظلت خطوط التماس بعيدة عنه نسبيًا منذ 2022.
وفي الجهة المقابلة، لم يحصر الحوثيون التصعيد داخل خطوط الجبهة. فقد تعرضت المخا لسلسلة من الهجمات بالصواريخ الباليستية والمسيّرات خلال الأيام الماضية، واضطر الميناء إلى تعليق عملياته التجارية، فيما قالت الحكومة إن هجوم 9 أغسطس أدى إلى مقتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة مدنيين، وإصابة 30 آخرين. ثم شهدت مأرب هجمات جديدة، قبل أن يعلن المتحدث العسكري الحوثي يحيى سريع اليوم، 17 أغسطس، استهداف ما وصفه بسفينة إنزال عسكرية سعودية وأربعة زوارق مرافقة قبالة المخا باستخدام صواريخ باليستية. ونقلت رويترز الادعاء الحوثي، لكنها شددت على عدم صدور تأكيد سعودي فوري للعملية أو نتائجها؛ كما نقلت عن مصدرين في الحكومة اليمنية أن سفينة أخرى في باب المندب استُهدفت بستة صواريخ، وكانت متوقفة للصيانة منذ أكثر من عام ويُعتقد أنها كانت خالية وقت الهجوم.
وهنا تحديدًا يصبح البحر أخطر من الجبهة. فباب المندب ليس ممرًا يمنيًا محليًا، وإنما إحدى عقد التجارة الدولية التي تصل المحيط الهندي والبحر الأحمر بقناة السويس والبحر المتوسط. وقد ذكّر غروندبرغ مجلس الأمن بأن تجدد هجمات أنصار الله على السفن التجارية يأتي أصلًا في وقت تتعرض فيه تدفقات التجارة والطاقة الإقليمية لضغط شديد، محذرًا من جر اليمن إلى «دوامة» الحرب الإقليمية الأوسع. وفي جلسة مجلس الأمن رقم 10208 في 13 أغسطس، أدان عدد من أعضاء المجلس تصاعد الهجمات الحوثية، وطالبوا بخفض التصعيد وحماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. وفي المقابل، دفعت صنعاء بروايتها التي تربط عملياتها بالتطورات الإقليمية، ما يكشف المعضلة الأساسية أمام الوساطة الأممية: كلما ارتبط قرار الحرب اليمني بصراعات تتجاوز حدود اليمن، تقل قدرة المفاوض اليمني وحده على إيقافها.
أما الأمم المتحدة، فبدت لهجتها خلال الأيام الأخيرة أقرب إلى الإنذار منها إلى الإحاطة الدبلوماسية التقليدية. فبعد تحذير غروندبرغ أمام مجلس الأمن، خرج مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك اليوم 17 أغسطس محذرًا من ارتفاع الخسائر المدنية، وداعيًا جميع الأطراف إلى الوقف الفوري لأي خطوات يمكن أن تعيد اليمن إلى صراع شامل. والرسالة تتقاطع مع موقف المتحدث باسم الأمين العام والأمانة العامة التي سبق أن حذرت من تجدد تهديد الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب ملف آخر يعقّد علاقة المنظمة بالحوثيين: استمرار احتجاز 73 موظفًا أمميًا، فضلًا عن عاملين في منظمات غير حكومية ومؤسسات مدنية وبعثات دبلوماسية. وقد أكد مكتب الأمين العام أن أحد موظفي الأمم المتحدة توفي أثناء الاحتجاز، وأن هذه الإجراءات قيّدت بصورة كبيرة قدرة المنظمة على إيصال المساعدات.
والمشكلة أن اليمن يدخل هذا التصعيد وهو لا يملك ترف حرب جديدة. فقد قال منسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر أمام مجلس الأمن في 13 أغسطس إن أكثر من نصف السكان يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، وإن ستة ملايين يمني يعيشون مستويات الطوارئ من الحرمان، وهو بحسب الأمم المتحدة أعلى عدد من نوعه عالميًا. وفي يونيو وحده، واجه أكثر من 60% من الأسر صعوبة في الحصول على غذاء كافٍ. كما سجلت الأمم المتحدة أكثر من 200 حادثة عرقلة للوصول الإنساني بين يوليو 2025 ويوليو 2026، بينما لم تحصل خطة الاستجابة سوى على نحو 20% من التمويل المطلوب. أي أن الحرب، إن عادت، لن تبدأ من الصفر؛ بل ستبدأ فوق اقتصاد منهك، ونظام صحي هش، وأزمة غذاء قائمة أصلًا.
لهذا يحاول غروندبرغ إعادة الأطراف إلى الملفات التي تبدو أقل إثارة من الصواريخ، لكنها ربما تكون أكثر قدرة على منع الحرب: دفع رواتب الموظفين، استئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء، ضمان وصول السفن إلى الموانئ، تأمين منشآت إنتاج وتصدير النفط، استعادة الخدمات، ثم العودة إلى عملية سياسية يمنية شاملة. وهذه ليست تفاصيل اقتصادية هامشية؛ فالمبعوث يرى عمليًا أن الحرب يمكن كبحها عندما يصبح لدى الأطراف والسكان ما يخسرونه من السلام. ولهذا طالب في إحاطته بمخرج تفاوضي وبخفض التصعيد الاقتصادي والعسكري، مؤكدًا أن العملية السياسية اليمنية التي تقودها الأمم المتحدة لا تزال «المسار الوحيد الموثوق» لإنهاء النزاع بصورة شاملة حسب موقع بعثات الامم المتحدة.
لكن التطورات الميدانية تسير حاليًا أسرع من الدبلوماسية. ففي 7 أغسطس حذر غروندبرغ من أخطر لحظة منذ هدنة 2022؛ وفي 13 أغسطس نقل التحذير نفسه إلى مجلس الأمن؛ وفي 16 أغسطس أعلنت القوات الحكومية 181 عملية خلال يوم واحد؛ وفي 17 أغسطس أعلن الحوثيون استهداف قطع بحرية سعودية، بينما حذر مفوض حقوق الإنسان من العودة إلى الحرب الشاملة. خلال عشرة أيام فقط، انتقلت اللغة من خطر التصعيد إلى عمليات عسكرية واسعة وتهديد للموانئ والسفن وخطوط التماس.
وهنا تكمن خطورة اليمن على الشرق الأوسط كله. فالجبهة الداخلية ترتبط بمأرب وتعز والساحل الغربي، والساحل يقود إلى باب المندب، وباب المندب يقود إلى البحر الأحمر، وأي انتقال للهجمات نحو الأراضي أو المصالح السعودية يضيف دولة إقليمية رئيسية إلى معادلة الرد. وبذلك يمكن لصاروخ يطلق من اليمن ألا ينتهي أثره عند نقطة سقوطه، بل يبدأ منها حساب سياسي وعسكري جديد. ولهذا تبدو محاولة الأمم المتحدة اليوم سباقًا بين مسارين: مسار يعيد اليمنيين إلى الطاولة، ومسار يعيد المنطقة إلى ساحات الحرب.
ولعل أخطر ما في المشهد أن الأطراف تعرف جيدًا كيف تبدأ الجولة التالية، بينما لا يملك أحد ضمانة لكيفية إنهائها.
فالسؤال لم يعد: هل انهارت هدنة اليمن؟ بل: هل تستطيع الأمم المتحدة والقوى الإقليمية إيقاف منطق الهجوم والرد قبل أن تتحول مأرب والمخا وباب المندب من جبهات يمنية إلى الشرارة التي تفتح حربًا إقليمية أكبر؟




