من نوبل إلى قاعات الانتظار: توكل كرمان وسياسة الظهور بلا حصيلة

 

 

✍️ بقلم أ /  بلفسور / موسى علاية العَفري

تقول توكل كرمان إنها تبحث مع دوائر مجلس الأمن وضع اليمن. لكن الصورة، مهما اتسعت طاولتها وكثر الجالسون حولها، لا تجيب عن السؤال الذي يهم اليمنيين: ماذا تحقق فعليًا نتيجة هذا الحضور الدولي الطويل؟

اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الصور في نيويورك، ولا إلى خطابات تعيد سرد المأساة أمام أشخاص يعرفون تفاصيلها أكثر مما يعرفها كثير من السياسيين اليمنيين. البلاد تحتاج إلى نتائج قابلة للقياس: تمويل إنساني مستدام، حماية العاملين في الإغاثة، إعادة تشغيل المدارس، دفع رواتب المعلمين، منع تسرب المساعدات، وضمان وصولها إلى مستحقيها.

تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 22 مليون يمني يحتاجون إلى المساعدة، بينما لا يزال عشرات الموظفين الأمميين محتجزين، وقد أدى ذلك إلى تقييد قدرة المنظمات على الوصول إلى ملايين المحتاجين. كما تواجه البلاد خطرًا متزايدًا للعودة إلى حرب واسعة النطاق. في هذا السياق، لا تكفي عبارة ناقشنا وضع اليمن😅. السؤال هو: ما الذي طُلب تحديدًا؟ ما الالتزام الذي صدر؟ ما مقدار التمويل الذي جرى حشده؟ وما الآلية التي ستضمن وصوله؟ الأمم المتحدة في اليمن، تغطية إحاطة مجلس الأمن.

المشكلة في مسار توكل كرمان أنها تعاملت طويلًا مع جائزة نوبل وكأنها تفويض سياسي دائم، مع أن الجائزة اعتراف بلحظة تاريخية وليست صكًا مفتوحًا لتمثيل اليمنيين. الشرعية السياسية لا تُكتسب من عدد اللقاءات الدولية، بل من الصلة بالمجتمع، والقدرة على بناء توافق، وتحويل النفوذ الخارجي إلى منفعة عامة. وعندما تضعف القاعدة المحلية، تصبح القاعات الدولية بديلًا عن المجال السياسي اليمني، وتتحول الدبلوماسية من وسيلة لتحقيق النتائج إلى غاية لإثبات استمرار الحضور.

وقد تناولنا هذه المفارقة أكاديميًا في فصلنا المنشور لدى Springer بعنوان: The Paradoxe of Peacemaking and Conflict-Making by the Nobel Peace Prize Holders. فالحصول على جائزة سلام لا يمنع صاحبها من الوقوع في تناقض بين خطاب السلام وممارسة سياسية تزيد الاستقطاب. صاحب الجائزة يُقاس بعد ذلك بما إذا كان قد استخدم مكانته لتقريب الخصوم، وحماية المدنيين، وتعزيز المصالحة، أم لتحويل المأساة الوطنية إلى منصة دائمة للظهور والمنافسة السياسية. الفصل المنشور لدى Springer.

https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-3-031-47839-0_17

ومن الإنصاف القول إن مؤسسة توكل كرمان أعلنت تنفيذ مشروعات تعليمية وإنسانية، منها مجمع تعليمي في تعز وبرامج في عدد من المحافظات. لذلك ليس دقيقًا القول إنها لم تفعل شيئًا مطلقًا وحتى وأن كانت جهود هزيلة. لكن وجود مشروعات متفرقة لا يلغي السؤال الأكبر: هل يتناسب حجمها وأثرها واستدامتها مع النفوذ الدولي الاستثنائي الذي وفرته جائزة نوبل؟ وهل تحولت هذه المبادرات إلى استراتيجية وطنية لحماية التعليم خلال الحرب، أم بقيت مشروعات موسمية مرتبطة بالتغطية الإعلامية فقط 😡😡؟ المؤسسة نفسها تقول إنها نفذت 174 مشروعًا خلال ستة مواسم، بينها 35 مبادرة تعليمية، وهذا إنجاز ممكن نتعرف عليه، لكنه يحتاج إلى تقييم مستقل وشفاف يوضح التمويل، والاستدامة، وعدد المستفيدين الفعلي، والأثر بعد انتهاء التصوير. بيانات المؤسسة عن برامجها ويكون هناك شفافية للمجتمع اليمني، لأن كل التمويلات التي تحصل عليها تأتي لصالح المواطنين في اليمن وهي فقط وسيط.

كان يمكن لتوكل كرمان، بما امتلكته من شهرة وعلاقات، أن تقود تحالفًا دوليًا دائمًا لإنقاذ التعليم اليمني، وإنشاء صندوق شفاف لدفع رواتب المعلمين، وربط المانحين بآلية مستقلة لمراقبة المساعدات، وجمع القوى اليمنية المدنية حول برنامج سلام واقعي. كان يمكنها أن تكون جسرًا بين اليمن والعالم. لكنها اختارت في معظم خطابها السياسي دور الطرف الذي يوزع الاتهامات على الجميع، ثم يقدم نفسه بوصفه البديل الأخلاقي الوحيد. وهذا الخطاب قد يجذب التصفيق في اللقاء الأول، لكنه لا يبني ثقة مستدامة ولا يصنع شراكة سياسية.

توكل كرمان ليست بلا صوت؛ مشكلتها أنها امتلكت صوتًا عالميًا أكبر من حصيلته. وليست بلا مشروعات؛ مشكلتها أن مشروعاتها بقيت أصغر من الفرصة التاريخية التي وضعتها الجائزة بين يديها. وبعد أكثر من عقد من الحرب، لم يعد اليمنيون بحاجة إلى من يخبر مجلس الأمن بأن بلادهم تتألم. إنهم بحاجة إلى من يعود من تلك القاعات بنتيجة، لا بصورة؛ وبالتزام، لا بخطاب؛ وبمشروع وطني جامع، لا بحضور شخصي متكرر.

التاريخ لا يحاسب أصحاب الجوائز على عدد الأبواب التي فُتحت لهم، بل على ما أدخلوه منها إلى شعوبهم. وهنا تحديدًا تبدو الفجوة واسعة بين المكانة التي حصلت عليها توكل كرمان والإنجاز السياسي والإنساني الذي كان يمكن أن تحققه لليمن.

من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى