أكتوبر ألق الثورة يتجدد ..

 

د / سعيد سالم الحرباجي

ربما اختلف كثيراً كثيراً مع من يصر على النظر إلى ثورة أكتوبر من خلال عدسته السوداء الداكنة ..
تلك العدسة التي لاتعكس لصاحبها إلا الوجه القاتم من المرئيات ..

ونحن هنا لاننكر ما تعرضت له ثورة اكتوبر المجيدة من طعنات نجلاء من قبل خفافيش الظلام وقوى الثورة المضادة منذ اللحظات الأولى لبوادر نجاحها ,
وذلك من خلال زرع بذور الصراع بين رفقاء السلاح والمتمثل في جبهتي التحرير والقومية وما تلاها من تصفيات دامية وصراعات مريرة وحروب قذرة ..
مما أدخل جنوبنا الحبيب في أتون انفاق مظلمة لم تبارحنا حتى الساعة ..

ومع ذلك كله فإننا ننظر إلى ثورة اكتوبر باعتبارها شمعة أُضيئت في بداية النفق المظلم فسرى ذلك الضوء الساري ..يبدد تلك الظلمات الحالكة ويعلن ميلاد صبح جديد .

ولكن ما أن رآه عبيد الظلام حتى سارعوا لإطفائه قبل أن يعم أرجاء الوطن.. فسلكوا في ذلك كل مسلك واستخدموا كل وسيلة , وبذلوا قصارى جهدهم لقطع فتيلة الزيت التي تغذي تلك الشعلة المضيئة .

وفي الحقيقة إن هذا أمر ليس بغريب على خفافيش الظلام التي لاتستطيع العيش إلا في كهوف الظلمات الحالكة .

مع العلم إنٌَ مثل هكذا تصرفات وردات فعل لقوى فقدت مصالحها.. لامرُُ طبيعي جداً جداً في عمر الثورات , بل أن توقعه من البديهيات … ذلك إنه ليس من السهل أن تضع قوى الدولة العميقة أسلحتها وتسلم تسليما سهلاََ للقوى الصاعدة الفتية وتؤدي لها فروض الولاء والطاعة..
بل على العكس تماماً ..
إذ إنه من السذاجة والحمق والغباء والبلاهة أن يفكر قادة الثورة بهكذا تفكير سطحي ..

فالقوى التي اعتادت أن ترضع من لِبَان الملذات والشهوات لعقود طوااال ِ..يصعب فطامها وحرمانها من الثدي التي اعتادت الرضاعة منه, فهي بكل تأكيد سوف تقاوم وبكل ما أُتيت من قوة وعزم للبقاء وحماية مصالحها .
ناهيك إن هذه القوى الخفية هي صنيعة الاستعمار البغيض ووسائله القذرة للانتقام من الثورة والثوار .

ولكن يكفي ثورة اكتوبر شرفاََ ..إنها استطاعت أن توحد القوى الشريفة في بوتقة واحدة لطرد الانجليز ,وأوقدت شعلة الحرية , وأضاءت الطريق للخلاص من كابوس المستعمر الذي جثم على صدر الشعب الجنوبي لأكثر من مائة وثمانية عشرين عاماً ,
وتحقق أهم هدف من أهدافها والذي تمثل في طرد الانجليز من الجنوب المحتل وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة , إلى جانب ذلك تم وضع اللبنات الأولى لقيام دولة حديثة, كما شهد الجنوب فترات ازدهار ونهضة في كثير من المجالات… إلٌا أن قوى الثورة المضادة لم يرق لها ذلك
فحاولت إطفاء ذلك النور الساطع ووئد أي إنجاز ملموس للثوار وغذت ضعفاء النفوس من الإعلاميين لطرق الجانب الداكن للثورة وإخفاء الوجه المشرق لها .. وبدهاء ومكر أقنعت شريحة واسعة من المجتمع بأن الوضع أيام الانجليز أفضل بكثير من أيام الثورة , مما جعل الجهلة من الناس يصب جام غصبه على الثورة والثوار ويحملهم كل الأخطاء والسلبيات بأسلوب إعلامي رخيص وَبِحيل انطلت على الكثيرين .

وهذا أمر لابدمنه.. فهو عقبة كأداء جاثمة وسط الطريق علينا تجاوزها ..
إلى جانب ذلك يجب أن ندرك إن هذه سنة من سنن التدافع بين الحق والباطل والخير والشر وسوف تستمر إلى أن يرث الله الارض ومن عليها .

كل ما يجب علينا معرفته اليوم .. إن نجاح الثورات لايقاس بزمن محدد ..وإنما يقاس بمدى نجاح الظروف الذاتية والموضوعية للثورة نفسها , وبمدى نباهة وحذق وذكاء قادة الثورة أنفسهم وإخلاصهم لقضيتهم وتفانيهم في الذوذ عنها .

وهذا شأن كل الثورات قديماً وحديثاً..

فإذا ما وقفنا مع الثورات الأوربية الحديثة لاستبان لنا الأمر بجلاء ووضوح .
فهاهي ذي الثورة الفرنسية استمرت لعقود ومرت بمراحل كثيرة وتخللتها حروب طاحنة وإخفافات ونكسات وهزائم وصعود وهبوط من قبل فلول الثورة المضادة … ومع ذلك كله كانت إرادة الثوار أقوى من معاول هدم قوى الثورة المضادة …حيث واصلوا مشوار الكفاح والنضال حتى اتستقر لهم الأمر .

والحال كذلك مع الإنجليز الذين استمرت ثورتهم لعدة قرون تعرضت خلالها لهزات عنيفة ومع ذلك استطاع الثوار أن يجهزوا على فلول الثورات المضادة ويحققوا أهداف ثورتهم ويؤسسوا دولة النظام والقانون الذي ينعمون به حتى الساعة .
وهذا على سبيل المثال لا الحصر..

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الاستقرار النسبي الذي تشهده أوربا وأمريكا_ والذي هو آيل اليوم للسقوط _ لم يتحقق إلا بعد سيل من الدماء وجبال من الجماجم وأكوام من الأشلاء .

ومآسي الحرب العالمية الأولى والثانية والتي سقط فيها أكثر من ستين مليون إنسان فضلا عن الجرحى والمعاقين والخراب والدمار خير شاهد على ذلك …
فالنظام العالمي اليوم الامريكي والاوربي لم يستتب الا بعد الحرب العالمية الثانية وهيمنة أمريكا .

فإذا إدركت ذلك فاعلم إن هذا هو الوضع الطبيعي لحقيقة الثورات وللتغييرات المجتمعية الكبرى .

واليوم ونحن نحتفي بمرور ثمانية وخمسين عاما من عمر الثورة لا يسعنا إلا أن ننحني لقادة الثورة ومشعلي أوارها وحاملي رايتها..مقدمين لهم أسمى آيات الشكر والتقدير والعرفان والإجلال والاحترام …
ونقول لهم ونحن نوقد الشعلة الثامنة والخمسين لانطلاق ثورتهم المجيدة …
لقد حققتم أعظم منجز في حياتكم بحصولكم على الاستقلال .. وعلمتونا أن الحرية غالية وأن الحقوق تنتزع إنتزاعاً ولا توهب للعجزة والكسالى …
ونحن اليوم نؤكد لكم أن هناك من يحرص على تحقيق بقية أهداف ثورتكم ويسعى لتحقيق أحلامكم في بناء دولة النظام والقانون وتحقيق نهضة شاملة ينعم بها جميع أفراد المجتمع , فإرادة الشعب أقوى وأعتى من عصابات قوى الثورة المضادة .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى