العطّاس.. والخلط الفاضح بين “المنطقة” و”المذهب”

 

✍️ محمد العلائي

قبل أيام، قال حيدر أبو بكر العطاس في إحدى حلقات الذاكرة السياسية على قناة العربية، إن الرئيس السابق صالح وعبدالله بن حسين الأحمر (توفي عام 2008) كانا زيديين (العطاس استخدم كلمة “زيود”)، وأنهما كانا أوفياء للمذهب. وأضاف: رغم أنهما كانا يضمان في الصلاة، وأن صالح كان يرفض أن يقال عنه زيدي، فما ذلك إلا لخداع الناس وتضليل من أسماهم أهل “السنة” في الوسط والجنوب!

ولنا أن نتصوَّر أن يأتي كلام كهذا على لسان رجل دولة كان يوماً رئيس أول حكومة في الجمهورية اليمنية عام 1990!

مع ذلك، فالعطاس ليس الوحيد الذي يمارس الخلط الفاضح بين المنطقة والمذهب، فنحن نعرف أن هذا الخلط شائع بشكل مريع حتى لدى طبقة المتعلمين والمثقفين. وينتقل هذا النمط الخطير من التفكير بالعدوى إلى مسؤلين وفاعلين عرب وأجانب، (على سبيل المثال؛ ظهر السفير السعودي في اليمن، محمد آل جابر، قبل عام تقريباً يتحدث عن الزيدية وكأنها منطقة، أي بمعنى مقارب لما ورد في تصريحات العطاس!).

ولا شيء أكثر بطلاناً من هذا الخلط.

المذاهب -وحتى الأديان- ليست أقاليم جغرافية ثابتة، ولا صفات وراثية أزلية تنتقل في الدم. المذاهب في كل مكان وكل زمان هي اختيارات فردية متغيرة. لكن هذه السمة تتجلى بصورة أوضح في منطقة “اليمن الأعلى”، حيث الوضع المذهبي فيها متحرِّك دائماً ويميل إلى التنوع، لا سيما في العقود الخمسة الأخيرة.

ماذا لو قمنا بتطبيق منطق العطاس على العطاس نفسه؛ فنقول مثلاً أن الرجل باعتباره من عائلة علوية حضرمية تعيد نسبها إلى أحمد بن عيسى المهاجر، ليس سنياً شافعياً بل يخادع الناس فجده الأول أحمد بن عيسى كان شيعياً جعفرياً عندما جاء من العراق إلى حضرموت قبل ألف عام، وبالفعل كان المهاجر قد بدأ حياته شيعياً، وهو من نسل الإمام الشيعي محمد الباقر، ولدى وصوله إلى حضرموت أصبح شافعياً كما يقال، فهل كان يخفي تشيعه، وعلى هذا المنوال هل لا يزال أحفاده وذريته وصولاً إلى العطاس يخفون تشيعهم لخداع الناس؟ خاصة إذا ما عرفنا أن مبدأ “التقية” يقع في صميم العقيدة الشيعية الجعفرية، بينما لا وجود لهذا المبدأ في المتن الزيدي الكلاسيكي.

فهل هذه المحاكمة مقبولة ومعقولة؟ بالطبع هي غير مقبولة من وجهة نظر الرجل المحترم.

من السهل معرفة دوافع العطاس في إلحاحه اللامسؤول على ربط صالح والأحمر بالزيدية، فهو يطلق مثل هذه المزاعم في سياق تحريضي كريه لتعزيز روايات الانقسام الطائفي وإعطاء حتى الصراعات اليمنية السابقة هذا الطابع بأثر رجعي.

بوسعك أن تنعتْ صالح أو الشيخ الأحمر بما تشاء، إما كخصم أو كصديق، لكنهما ما كانا زيديين قط، لا بالمعنى السياسي الزيدي الذي يتمثل فقط في الولاء لإمام علوي قائم، ولا بالمعنى الديني العقائدي في الصلاة والعبادة.

الزيدي اليوم هو فقط من يقول “أنا زيدي”، أو من يوحي بالتصرف على هذا الأساس، مع مراعاة الاختلاف الممكن في معنى أن يقال “أنا زيدي” بين شخص وآخر، فلربما قالها أشخاص لم يكونوا في الواقع زيديين وإنما ظنّوا أنهم كذلك ربما تماهياً مع النظرة السائدة إليهم أو بحكم الاعتياد، وربما أعلن البعض أحياناً أنهم زيديين بمعنى معيَّن في معترك الصراع القديم مع الإمامة، قبل ثورة 26 سبتمبر 1962، وذلك لحساب سياسي ظرفي.

ومع ذلك سنعتبر زيدياً فقط كل من يقول أو يتصرَّف على أنه كذلك، وبالمعنى ذاته الذي يريده بهذا القول وبهذا التصرُّف. ومن قرَّر أنه لم يعد زيدياً، لا يحقّ لأحد أن يقول عنه غير ذلك.

ولهذا فالمرء لا يخطىء إذا ما اعتبر الحوثي زيدياً، فهذا الأخير زيدي بالفعل، وإن كان زيدياً على طريقته الخاصة التي قد تختلف كثيراً أو قليلاً عن الزيدية التقليدية. الحوثي زيدي، مذهباً وسلوكاً وخطاباً ومنطقاً وطقوساً وتاريخاً، وهو لا ينكر ذلك ولا يخفيه. بل إن ماهية “الزيدية” اليوم تكاد تكون مساوية لماهية “الحوثية”، فمن يؤمن بالولاية المستمرة لـ “آل البيت”، هو الزيدي الحقيقي، حتى لو كان ينحدر من المناطق اليمنية التي جرى تصنيفها جغرافياً على أنها شافعية.

هل صغير بن عزيز، مثلاً، “زيدياً” لمجرد كونه من حرف سفيان، والكاتب والشاعر صلاح الدكاك، الموالي لجماعة الحوثي بكل حماسة، “شافعي” لمجرد كونه من تعز؟ بن عزيز لم يعد زيدياً بالمفهوم الديني، فهو سُنِّي، ولم يعد زيدياً بالمفهوم السياسي المبيَّن أعلاه، فهو يقاتل كما يعلم الجميع على الضفة الأخرى من “الزيدية السياسية” الممثَّلة في جماعة الحوثي.

وإذا افترضنا أن الدكَّاك لا يزال “شافعي” بالمعنى الديني المذهبي، رغم أن هذا المعنى لا يمكن ملاحظته إلا من خلال شكل الصلاة والشعائر الاسلامية ذات الطابع الفردي، فالدكاك لا شك أنه على الصعيد السياسي قد بات زيدياً متشيّعاً بسبب إيمانه بالولاية، وهي اسم مستحدث لـ “الإمامة الزيدية”، حتى ولو كان هذا الإيمان مجرد تظاهر!

بمقدورنا أن نستحضر آلاف الأمثلة للبرهنة على بطلان الخلط بين المنطقة والمذهب.

مع أن اليمن يتسم بالتعدد المذهبي، ولم يكن غريباً ولا ممنوعاً، في ظل النظام الجمهوري، أن يكون أي شخص -على الصعيد الفردي- زيدياً أو شافعياً أو اسماعيلياً أو لامذهبي ولاديني من الأساس. فالغريب والممنوع، بالنسبة للوطنية الحديثة، هو استخدام الانتماء المذهبي قاعدة للتنظيم السياسي والتعبئة والحشد والتسلط أو التظلّم، قاعدة للحكم أو للاحتجاج على الحكم، فمن هذا المنحى تنشأ تلك الآفة التي بات يطلق عليها في العقود الأخيرة اسم “الطائفية”.

سيقال أن صالح والأحمر لم ينسلخا من الزيدية باعتبارها جغرافيا! ولا أدري كيف يمكن للمرء أن يتنصل عن المكان الذي صادف أنه ولد فيه. فالميلاد ليس من الأمور التي تقع في مجال اختيارنا. ثم إنّ “الزيدية الجغرافية” هي من الأوهام الحديثة العجيبة، أوهام مثقفين، فلا يوجد في تربة وصخور أي منطقة ما هو زيدي أو شافعي بالطبيعة وإلى الأبد.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى