الوحدة حق خالتي نورية أحسن

 

✍️ فكري قاسم

الشاهد أن اليمنيين خلال السنتين الأولى من عمر الوحدة المباركة خرجوا الى الحياة مثل ” الشضويات ” بعد المطر. واختلط الدان بالبرع والشرح مع الباله والبخور والفل مع الجنبية والفوطة والمعوز ؛ والزربيان مع السلتة والكدم
وحملت التعددية السياسية معها انتعاشا كبير للحريات
وشاهدت لأول مرة في حياتي التنوع في الألوان والأزياء والوجوه والوجبات ، وتنقل اليمنيين بين الشطرين بقلوب مفتوحة على الحياة ومن دون نقاط تفتيش تجعثك يوم كامل في منفذ الشريجة – كرش .
ولأول مرة توصل خالتي “نورية” من عدن الى تعز ومعها سلة خزف في داخلها سمك “باغة” مقلي بالزيت أكلناه في البيت وهو حامي .
وعادت خالتي نورية الى عدن لأول مرة وهي متحملة معها قات “صبري” وصل إلى عدن “طري” بينما كان طريق
تعز عدن أيامها مثل الطريق الى الجنة .
وكانت خالتي نورية في ذلك الخط الطويل مثل “البراق” تنقل الناس والأفكار والزوار بين الشطرين اللذين التئما في صبيحة يوم 22 مايو المجيد سنة 1990م بعد دهر من الشتات.
وفي مرات كثيرة كان بيت جدي “حسين” في الجحملية يمتلي أطفال ونسوان ورجال لعوائل جاءوا مع خالتي نورية من البريقة وكريتر والمعلا والتواهي والمنصورة والشيخ عثمان ليتعرفوا على الشمال . وفي مرات كثيرة كنا ننزل عدن وبيت خالتي “نورية” ملان بعوائل جاءت من تعز وصنعاء وإب والحدا وهمدان ليتعرفوا على عدن .
واللي جو مع خالتي نورية من الشمال عملوا لهم غطسة في ساحل الغدير ورجعوا قراهم ومدنهم وهم مبسوطين يرددوا ” والله انها أحسن وحدة” .
واللي كانوا يطلعوا مع خالتي من عدن إلى تعز يعودوا إلى بيوتهم في الجنوب وهم مبسوطين بالهواء والبرود ويقولوا ” والله أنها أحسن وحدة”.
على يد خالتي نورية نفسها تزوج أكثر من 40 شمالي من عدن بينهم أخوتها الإثنين وأختي “سيناء” أيضا . وتزوج على يدها في المقابل أيضا أكثر من 20 جنوبي من بنات من الشمال بينهم أبنائها الإثنين.
واما سيف الحوباني سائق البيجو الذي بدأ بعد الوحدة مباشرة يشتغل لأول مرة في خط تعز عدن؛ ينقل الركاب والرسائل بين المدينتين . كان يسوق سيارته في شوارع عدن بكل زهو متجها في الطريق الى شوارع وبيوت لها أرقام وعناوين واضحة يصل إليها بسرعة من دون جعيث ولا دوار تماما كما كان مشواره الأول في الطريق إلى بيت خالتي نورية.
سار إليه بلا تخباط معتمدا على عنوان واضح مكتوب لديه في ورقة : البريقة ؛ شارع الرصافي؛ منزل رقم 8
وبمجرد ما إن وصل إلى وجهته بسهولة ومن دون توهان ولا تلباج في الطريق ؛ طرق الباب وهو شاكك أن يكون العنوان صحيح ؛ لكنه أول ما شاف خالتي تفتح له الباب صاح مندهشا من أعجوبة العنوان التي لم يألفها من قبل في كل مشاويره التي يقوم بها في شوارع وأحياء تعز العشوائية وقال لها :
– ايواااه هذي بلاد وهذي عناوين يوصل لها الواحد فيسع مش ساع حقنا في تعز ؛ ادخل من جنب البقالة وامشي من جنب القسم وادخل الزغط الفلاني واسأل ابو الفحم الذي في ركن الشارع اينو بيت فلان .
وبعد سنة من زياراته المتكررة تزوج سيف من عدن على يد خالتي نورية برضه وقال لأم أولاده في البلاد :
– انتي الكل بالكل وهذه الزواجه هي بس منسب تتعزز الوحدة .
وفي السنة الثانية من عمر الوحدة زوج سيف الحوباني إبنته الكبيرة “منيرة”على موظف في “المصافي” وعزم أهل البلاد ليحضروا الزفاف في عدن وقلهم وهو مطمئن يشرح لهم طريق الوصول إلى بيت خالتي إن محد منهم شيضيع وهو يدور العنوان المكتوب لديهم بكل وضوح في الورقة.
يومها وضعت خالتي نورية المكياج لأميرة وزفوها فوق البيجو من نادي” كميتي هول” على مقربة من شاطيء الغدير إلى شارع الرصافي منزل رقم (8) في موكب من السيارات على صوت الزفة.
وكانت بنته أميرة تشعر يومها بأنها أميرة بالفعل وسيف فرحان يرقص في الزفة بكل سعادة بعد أن ندع له خمس زجاجات صيرة وكان مبسوطا وضحكته المصحوبة بلمعة سنة ذهب تظهر الإمتنان إلى الله وعيونه غارقة بدموع الفرح وبمشاعر الامتنان لخالتي نورية ولفعائل الوحدة الجميلة.
تعيش خالتي نورية في عدن منذ العام 1968 رفقة زوجها “عبده علي” وهي من مواليد تعز لأب من وادي ظهر بصنعاء وأم من العدين وزوجها من ” الصلو” وعبر ها امتد الحبل السري بين الشمال والجنوب . وهي الان في عدن ونحن في تعز وطريق الجنة القديم أصبح موحشا ومليئا بالكراهية وبالأحقاد .وسيف الحوباني حزين يقولي ” والله إن الوحدة حق خالتك نورية أحسن الف مرة من هذه الوحدة المعمدة بالدم”.

من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى