في الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة – الشعب الفلسطيني يصحح شيئا من التاريخ

 

✍️  عبد الحميد صيام

كاتب فلسطيني

في الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة – الشعب الفلسطيني يصحح شيئا من التاريخ

 

للذكرى الثالثة والسبعين للنكبة هذا العام مذاق مختلف، الصورة ليست كلها رمادية. ذكرى النكبة عادة تكون مصحوبة بالمرارة لطول سنوات التشرد واللجوء وغياب أفق الحلول الحقيقية، التي تضمن حق العودة والحرية والاستقلال. لكننا ونحن نكتب هذه الكلمات نرى ضوءا في نهاية النفق. فهناك صورتان متلازمتان لذكرى النكبة. واحدة مشرقة تبث فينا روح الأمل والعزيمة والتفاؤل، وثانية تثبط العزائم وتدعو إلى الغثيان. والصورتان متلازمتان لا نستطيع إلا أن نرى الصورتين كما هما. فندفع بالأولى قدما إلى الذرى، ونحن نرى هذه المواجهة الشاملة مع هذا الكيان المجرم، ونمقت الثانية المتعلقة بالنظام العربي الرسمي، وندير الظهر لها ونعمل على تفكيك إبرها السامة ومخالبها الخطرة.
تأتي الذكرى الثالثة والسبعون للنكبة الفلسطينية في ظل مواجهة متعددة الأشكال بين الشعب الفلسطيني وقواه الحية، خاصة في القدس، والكيان الصهيوني العنصري الاستعماري الإحلالي التفريغي. مواجهات القدس وحيّ الشيخ جراح نموذج فذ للمواجهة الشعبية الشجاعة، التي تظهر فيها بطولات المقدسيين والمقدسيات أمام جحافل المستوطنين وقوات الشرطة والأمن الصهيونية، والمستعربين والعملاء، بحيث أنشدّت أطراف الدنيا لهذا النضال، وأصبحت القدس والمسجد الأقصى وباب العامود مركز استقطاب للكون، وتسابقت الفضائيات، حتى المنافقة منها والدائرة في فلك المطبعين، تبحث عن مقدسي أو مقدسية لتقبس شيئا من حديث الشرف والكبرياء والشجاعة، وهي تغطي هذه التطورات، وتنقل الصور الخارقة عن صمود الفلسطينيين، ومواجهاتهم لعنف المستوطنين وهمجية الجيش والشرطة وقوات الاحتلال، وهي تعتدي على الأطفال والنساء والمتظاهرين السلميين، وتقتحم الأقصى مساء الجمعة وتنهال ضربا على المصلين والركع السجود، ما أدى إلى انفجار الغضب الشعبي، وحدثت المواجهة التي تركت مئات الجرحى، ولكنها تركت أيضا جرحا في كبرياء الأمة وكرامتها، وهي ترى بساطير المحتل تدنس الأقصى.

القدس تنتصر

القدس تنتصر للمرة الثالثة، لأنها ليست منضوية تحت خيمة السلطة، أو مقسمة بين القبائل والفصائل. انتصرت يوم تصدى المقدسيون والمقدسيات بأياديهم العارية لمعركة البوابات والكاميرات، ودخلوا المسجد عنوة وصلوا صلاة الانتصار. وانتصروا في معركة باب حطة عندما فرضوا على المحتل فتح الباب أمام المصلين، وها هم ينتصرون مرة أخرى ويتصدون للمستوطنين ويطردونهم من باب العامود وأسواق القدس العتيقة، ويحطمون الكاميرات ويلاحقون المغتصبين في شوارع القدس العتيقة ويجبرونهم على الهرب في حالة ذعر شديد. القدس تنتصر لأن أبناءها وبناتها يأخذون قراراتهم من دون الرجوع إلى أحد، لا سلطة ولا نظام عربي ولا اتحاد أوروبي ولا مبعوث أمريكي. قرروا أن يرابطوا دفاعا عن القدس ومقدساتها واعتمدوا على أنفسهم ودعم إخوتهم وأخواتهم ممن يستطيعون الوصول إلى القدس. المقادسة لوحدهم دافعوا عن الأمة الإسلامية، وعن أولى القبلتين وثالث الحرمين، وسيل البيانات ينطلق من أنظمة الخنوع والذل والهوان. رئيس السلطة يناشد المجتمع الدولي، والجامعة العربية تناشد المجتمع الدولي، ومنظمة التعاون الإسلامي تناشد المجتمع الدولي.. وكأن المجتمع الدولي سيمتشق السيف وينزل الميدان مجاهدا. صرخة فتاة في القدس أكثر وزنا وتأثيرا وانتشارا من كل بياناتهم. السلطة العتيدة استطاعت أن ترفع مستوى اجتماع الجامعة العربية من مستوى المندوبين الدائمين إلى مستوى وزاري. هكذا تكون الانتصارات.. اتركوا المقدسيين يصنعون الفجر المقبل واذهبوا إلى جلسات جديدة للتنسيق الأمني.

 

 

غزة تنتصر للقدس

كان المتطرفون الصهاينة يعدون يوم الأحد لمسيرة ضخمة تنطلق من القدس الغربية إلى القدس الشرقية في ذكرى احتلالها، للتأكيد على وحدة المدينة المقدسة تحت السيادة الإسرائيلية. تجمع عشرات الألوف وانضم للمسيرة أعضاء الكنيست المتطرفين، لإرضاء جمهورهم المتعطش للقتل، وشعارهم «الموت للعرب». كانوا في طريقهم للمسجد الأقصى وجماعة «حراس الهيكل» سينضمون إليهم لإعلان سيادة المتطرفين، نيابة عن الدولة المارقة، على القدس والأقصى. لقد ناشد العديد من الوسطاء ضرورة إلغاء المسيرة، لأن اشتباكا ضخما متوقعا مع الفلسطينيين الذين كانوا مستعدين للمواجهة. فعندما يختفي السلاح تنتصر الإرادة المسنودة إلى حق غير قابل للمساومة، لكن الذي لم يحسب حسابه منظمو المسيرة، أن تهديدا جاءهم من شاب من غزة. «إذا لم تتوقف المسيرة سنطلق رشقة من الصواريخ». لم يتأثر أحد بالتهديد لكن الرشقات انطلقت فعلا. فانطلقت صفارات الإنذار في القدس. تفرق القوم ذعرا في الشوارع بطريقة غير منظمة. الكل يريد أن ينجو بنفسه. الكل يبحث عن ملجأ أو قبو أو مخبأ. انتهت المسيرة بفشل مريع. واحتفل أهل القدس بانتصار الإرادة.

شهيد اللد

على حد علمنا، هذه أول مرة تنتفض مدينة اللد نصرة لشعب فلسطين. عدد الفلسطينيين في المدينة قليل. لكن القدس خط أحمر. خرج آلاف الفلسطينيين في المدينة يوم الاثنين، بعدما شاهدوا اقتحام المسجد الأقصى في القدس ليلة الأحد، ورأوا ما فعلته القوات الإسرائيلية بالمصلين والمعتصمين في الشيخ جرّاح وباب العامود. المظاهرة الحاشدة كانت سلمية. لكن مستوطنا حاقدا شاهد شابا يتسلق عامود كهرباء يرفع العلم الإسرائيلي فينزله ويرفع العلم الفلسطيني. يطلق النار على موسى حسونة فيرديه شهيدا. يفقد الناس أعصابهم على هذه الجريمة. ينطلقون في الشوارع في حالة هيجان شديد. يتوجهون للمراكز الحكومية ويدمرونها ويدخلون في مواجهات عنيفة مع القوات الإسرائيلية، التي حولت شوارع المدينة إلى ساحة معركة حامية تشبه شوارع نابلس أو غزة أيام الانتفاضة الأولى. المظاهرات في الداخل الفلسطيني انطلقت في كل المدن والقرى، في الناصرة، وشفا عمرو، ويافا، وأم الفحم، وطمرة، وباقة الغربية، ومجد الكروم، وعرابة، وشقيب السلام بالنقب جنوبي البلاد، والرملة، وكفر كنا، وجلجولية، وكفر مندا، وجديدة – المكر، وكفر قرع، وغيرها الكثير. إنها وحدة الشعب الفلسطيني، لا النكبة ولا أوسلو ولا حرب حزيران استطاعت أن تفتت وحدة هذا الشعب. الانقسام الفلسطيني جاء في سياق تنافس الفصائل وليس على مستوى الشعب المناضل.

الانتخابات

وتأتي ذكرى النكبة هذه المرة في ظل تراجع القيادة الفلسطينية عن الانتخابات الفلسطينية، وإبقاء الأمور على ما هي عليه من سوء وترهل وضياع بحجة رفض إسرائيل طلب السلطة الفلسطينية السماح لها بإجراء الانتخابات في القدس الشرقية. ولا يخفى على أحد أن التعلل بأن الانتخابات لا تتم إلا في القدس إنما هي حجة واهية تدين صاحبها أكثر مما تعطية ورقة توت وطنية يتغطى بها. فبدل الإلغاء كان على القيادة أن تحض الجماهير المقدسية على كسر الحواجز، والمشاركة في الانتخابات عن طريق البريد ومراكز الاقتراع، والأهم من ذلك عن طريق التكنولوجيا الحديثة التي سهلت مثل هذه الأمور. فالمؤتمرات واستطلاعات الرأي والانتخابات بكل أشكالها أصبحت سهلة بسبب التكنولوجيا، لكن عندما تأكدت القيادة بأن رياح الانتخابات لن تجري بما تشتهيه سفن السلطة تم إلغاؤها. وهذا الفهم يشكل شبه إجماع لدى الفلسطينيين.

المطبعون

وتأتي هذه النكبة في ظل انتقال أربع دول عربية إلى صفوف الصهاينة تحت عنوان التطبيع، والعنوان الأدق هو التتبيع والانسلاخ عن جسد الأمة، والعمل ضد إرادة شعوبهم. فماذا تريد السودان من علاقتها مع إسرائيل. وماذا سيجني المغرب من هذا التتبيع؟ الحقيقة أن الذي سوق لهذه الخطوات ودفع ثمنها هو قيادة دولة الإمارات التي أصبحت تعمل وكيلا حصريا للكيان الصهيوني. لكن يبدو أن الدائرة بدأت تضيق على هذه القيادة المغامرة، فقد أبعدت مصر نفسها عن هذه القيادة، والساحة الليبية تكاد تلفظ من معادلاتها دور الجنرال خليفة حفتر، المخلب الأخطر لدولة الإمارات. وحصل تقارب سعودي تركي مصري وسعودي إيراني بعيدا عن الإمارات، كما باعد الأردن نفسه عن سياسة هذه الدولة، وأوقف دعمه لخليفة حفتر. أيام شهر العسل لهذا النظام انتهت مع خروج ترامب وكوشنير من البيت الأبيض. وسيدرك هذا النظام أنه سيكون ضحية مغامراته الخطيرة. لقد أصيب سفير هذه النظام في تل أبيب بحالة من الذعر الشديد عندما سمع أصوات انفجار الصواريخ في تل أبيب وطلب من حكومته أن تخرجه فورا، لكنه اكتشف أن مطار المدينة مغلق. وكما أصيب السفير بحالة الذعر ستصاب الدولة بحالة ذعر عندما ينتصر الشعب الإماراتي لتاريخه وهويته وعروبته ودينه.
نعم إنها ذكرى النكبة التي ما زالت تفرّخ نكبات على مستوى النظام الرسمي، لكن انتفاضات الشعوب التي انطلقت عام 2011 وما زالت مستمرة بطريقة أو بأخرى لن تهدأ إلا بعد كنس هذه الأنظمة العميلة، التي تبحث عن حماية لها من أعداء شعوبها. إنها حركة التاريخ التي تؤكد أن حكم الطغاة سينتهي إلى مزبلة التاريخ.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بولاية نيوجرسي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى